طبيعةٌ صامتةٌ من أشكالٍ ناعمةٍ وظلال، صدىً للمنحنيات العضويّة العزيزة على جان رويير
شخصية · مقال الأسبوع

جان رويير، المُزَيِّن الذي قوّس الفخامة.

24 يونيو 2026 · محمد ماري
← العودة إلى المدوّنة

بينما كان القرن يَحتفي بالزاوية القائمة، أمضى رجلٌ حياته في الدفاع عن المنحنى واللون والفرح. لم يَكن جان رويير حديثًا بالمعنى الصارم. ولعلّ هذا بالضبط سببُ أنّه لم يَكفّ يومًا عن أن يكون كذلك.

عصاميٌّ متأخّر.

لم يَكن شيءٌ يُهيّئ جان رويير للتزيين. وُلِد عام 1902 في عائلةٍ برجوازيّة، وعمل أوّلًا في تجارة الخشب، ثمّ قَطَع مع كلّ شيءٍ في التاسعة والعشرين ليُكرّس نفسه لمهنةٍ لم يَتعلّمها قطّ. كان هذا التأخّر حظّه: لا معلّمَ يُقلّده، ولا مدرسةَ يُطيعها. رَسَم بالحدس، كما يَكتب المرءُ لغةً من ابتكاره.

ومنذ أواخر ثلاثينيّات القرن، فتح مرسمَه الخاصّ في فوبور سان-أونوريه. وهكذا تَحدّدت النبرة: لن يكون رويير مُنظّرًا للوظيفيّة، بل ساحرًا للفضاءات الداخليّة.

حربٌ على الزاوية القائمة.

حيث كان معاصروه العقلانيّون يُطاردون الخطّ الصافي والأنبوب الفولاذيّ، فعل رويير النقيض تمامًا. أثاثُه ممتلئٌ، مُدوَّر، سخيّ. أحبّ الأرجلَ الكرويّة، والمساند المتموّجة، والأشكالَ التي تَبدو مَنحوتةً لا مُركَّبة. لم يَكن الراحةُ عنده تنازلًا: كانت الموضوعَ نفسه.

وتَبِعت لوحتُه اللونيّة الحرّيّةَ ذاتها. حين كان الذوقُ السليم يَفرض البيجَ والأسود، تجرّأ هو على الأصفر الفاقع، والأخضر المائيّ، والأزرق الملكيّ، والورديّ الباهت. عند رويير، لا تَحتاج الغرفةُ أن تكون جادّةً لتكون أنيقة.

«على البيت أن يَبتسم لمن يَسكنه.»

«الدبّ القطبيّ».

لو لم يَبقَ سوى قطعةٍ واحدة، لكانت هي. أريكةُ «الدبّ القطبيّ» (Ours Polaire)، المُبتكَرة في أواخر أربعينيّات القرن، كتلةٌ وثيرةٌ بلا أرجلَ ظاهرة، مُنجَّدةٌ بالكامل بصوف البوكليه، مساندُها مستديرةٌ كأقدام حيوان. لا تُشبه أيّ أريكةٍ في زمنها، وتُشبه كلَّ أريكةٍ مرغوبةٍ اليوم.

ويَدور حولها عالمٌ كاملٌ من الكائنات: تحفُ الإنارة «ليان» (Liane)، سيقانٌ نحاسيّةٌ متعرّجة تُنقّطها كُرات؛ وطاولاتُ «برج إيفل» (Tour Eiffel) من الحديد المطروق المتشابك؛ وكرسيّا «البيضة» و«الكرة». مفرداتٌ كاملةٌ يُعرَف صاحبُها من بين الألوف.

مُزَيِّنُ البلاطات.

مفارقةُ رويير أنّه نَبذه النقدُ الفرنسيّ وعَشِقه الأقوياء. فتح مكاتبَ في القاهرة وبيروت وليما وساو باولو. وأثّث قصورَ شاه إيران، والملك فاروق في مصر، والملك حسين في الأردنّ. ترفُه المرح، الدافئ، الملوّن، كان يَتكلّم لغةً كونيّةً فهمتها نُخبُ العالم أفضلَ ممّا فهمها أنقياءُ باريس.

وفي عام 1980، مُتعَبًا، أغلق مرسمَه وانسحب إلى الولايات المتّحدة، حيث تُوفّي في العام التالي، منسيًّا تقريبًا في بلده.

ثأرُ المزادات.

أنصفه التاريخُ بلمعان. فمنذ تسعينيّات القرن، أعاد التجّارُ والجامعون اكتشافَ رويير؛ وقطعُه الأصليّة، النادرة التي لم تُعَد طباعتُها بالجملة، تَبلغ اليوم قممًا في المزاد العلنيّ. أريكةُ «دبّ قطبيّ» من زمنه تُباع بثمن شقّة. صار المنحنى الذي حُسِب رعونةً واحدًا من أضمن استثمارات تصميم القرن العشرين.

ما يُعلّمنا رويير إيّاه.

لا نَحتاج إلى «دبٍّ قطبيّ» كي نَحتفظ بدرسه. يُذكّرنا رويير بأنّ الفضاء الناجح ليس فضاءً صحيحًا: بل فضاءٌ تَسكنه عاطفة. وأنّ قطعةً منحنيةً واحدة، تُوضَع في غرفةٍ رزينة، تَكفي لتُغيّر مزاجها. وأنّ اللون ليس مخاطرةً بل أداة. وأنّ الراحة، تلك الكلمة التي طالما احتقرها التصميمُ الجادّ، قد تكون أرفعَ أشكال الترف. هذا الدفءُ المُعلَن هو ما نَسعى إلى تمريره في كلّ مشروعٍ من مشاريعنا.

التوقيع M. Maray